الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
458
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
الّذي ألفتموه ، ولتفهموا عنه مقالته وتفهموا خطابه ومراده ، فكيف كنتم تعلمون صدق الملك ، وأنّ ما يقوله حقّ بل إنّما بعث بشرا ، وأظهر على يده المعجزات الّتي ليست في طبائع البشر الّذين قد علمتم فتعلمون بعجزكم عمّا جاءكم به أنهّ معجزة ، وأنّ ذلك شهادة من اللّه بالصدق ، ولو ظهر لكم ملك وظهر على يده ما يعجز عنه البشر لم يكن في ذلك ما يدلّكم أنّ ذلك ليس في طبائع سائر أجناسه حتّى يصير ذلك معجزا ، ألا ترى أنّ الطيور تطير ، وليس ذلك منها بمعجز لأنّ لها أجناسا يقع منها مثل طيرانها ، ولو أنّ آدميّا طار كطيرانها أكان ذلك معجزا - إلى أن قال : وأمّا قولك : . . . لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً ( 1 ) فإنّك اقترحت أشياء ، منها ما لو جاءك به لم يكن برهانا ، ومنها ما لو جاءك به كان معه هلاكك ، ومنها المحال الّذي لا يصحّ ، ولا يجوز كونه ، ومنها ما قد اعترفت على نفسك أنّك فيه معاند متمرّد . فأمّا قولك : تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً بمكّة هذه ، أرأيت لو فعلت هكذا أكنت من أجل هذا نبيّا قال : لا . قال : أرأيت الطائف التي لك فيها بساتين أما كان هناك مواضع فاسدة صعبة أصّلتها وذلّلتها وكسحتها وأجريت فيها عيونا استنبطتها قال : بلى . قال : فكذلك لا يصير هذا حجّة لمحمّد لو فعله على نبوتّه . فما هو إلّا كقولك : لن نؤمن لك حتّى تقوم ، وتمشي على الأرض أو حتّى تأكل الطعام كما يأكل الناس . وأمّا قولك : أو تكون لك جنّة من عنب فتأكل وتطعمنا ، وتفجّر الأنهار خلالها تفجيرا ، أوليس لك ولأصحابك جنّات من نخيل ، وعنب بالطائف
--> ( 1 ) الإسراء : 90 .